الشيخ حسن المصطفوي
147
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
بانقضاء الحيات ، فانّ كلّ شيء له حيات في الجملة ينقضي حياته ويسقط ويهلك ، إلَّا وجهه عزّ وجلّ ، فانّ الحكم لله وهو المرجع ، فما كان وجها لله عزّ وجلّ : فهو باق لا فناء فيه ولا هلاك عليه . ثمّ إنّ للفناء ثلاث مراحل ، وعلى ثلاثة أنواع : الأوّل - في العوالم العالية كالعقول والأرواح المجرّدة : فانّ الفناء فيها تكوينىّ ، إذ هي مجرّدة خالصة ذاتا . الثاني - في العوالم المادّيّة كالجماد والنبات والحيوان والإنسان : فانّ الفناء فيها على الجريان الطبيعىّ والسير في الحياة مرتبة بعد مرتبة إلى أن تصل إلى مقام التجرّد والخلوص . الثالث - في الإنسان إذا سلك في طريق السير إلى الله وجاهد في الله ولله إلى أن يصل إلى مقام الفناء والبقاء : * ( فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّه ِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّه ِ أَحَداً ) * - 18 / 110 فلا يمكن البلوغ إلى مرتبة اللقاء إلَّا بعد تحقّق الفناء إمّا تكوينا أو بسير طبيعىّ في الحياة ومراتبها أو بالسلوك الاختيارىّ . نسأل الله تعالى أن يوفّقنا في طريق السلوك إلى لقائه ، إنّه جواد كريم وذو المنّ والإفضال ، وهذا معنى الرواية الواردة - موتوا قبل أن تموتوا - راجع رسالة اللقاء . وحقيقة مقام الفناء كسائر المعارف الإلهيّة : لا يعرفها إلَّا من وفّقه الله في السلوك والسير والمجاهدة وتزكية النفس والإخلاص . وما يقال فيها من غير أهلها إثباتا أو نفيا : فهو ضلال وإضلال . وأمّا مفاهيم أمام البيت وغيره : فهي من مادّة الفنو واويّا . وقد تداخلت المفاهيم في موادّ - الفنى والفنّ والفنو .